الشيخ محمد هادي معرفة
438
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
التجربة فيما حسب ، ولا دليل على اعتبارها لمن لم يجرّبها بالذات ! ومن ثمّ ترى تفاسير أهل الذوق العرفانيّ قلّما تتّفق - ولو في تفسير آية واحده - على نهج سويّ وعلى تأويل متوازن لا تعريج فيه . . ولا مبرّر له سوى ما نبّهنا عليه أنّها ليست من التفسير ولا من التأويل ، وإنّما هي واردات قلبيّة وسوانح خطرت لهم بالمناسبة ومع سماع الآية تتلى عليهم ، من باب تداعي المعاني ، لا غير . . ومن أغرب ما يشهد لهذا التنوّع في التذوّق ما نجده من القشيريّ في تفسير البسملة من كلّ سورة ، فسّرها في كلّ سورة غير تفسيرها في سائر السور . . بناءً منه على أنّها آية من كلّ سورة ، وكلّ آية هي تجلٍّ لنعت من نعوته تعالى ، ولا تكرار في التجلّي ، فيجب أن تكون في كلّ سورة بمعنى غير معناها في سائر السور . . إنّنا نجده يلجأ إلى تفسير كلّ بسملة على نحو مُلفت للنظر ، إذ هي تختلف وتتنوّع ولا تكاد تتشابه ، ويزداد إعجابنا بالقشيريّ كلّما وجدنا تفسير البسملة يتمشّى مع السياق العامّ للسورة كلّها ، فاللّه والرحمان والرحيم لها دلالات خاصّة في سورة القارعة ، ولها دلالات أخرى في سورة النساء ، ولها دلالات خاصّة في الأنفال وهكذا . . ونستنتج من ذلك عدّة نتائج : أوّلًا : إنّه يعتبر البسملة قرآنا وجزءا من كلّ سورة بالذات ، وليست - كما يقول البعض - شيئا يُستفتح به للتبرّك . . ثانيا : إنّه ما دام يعتبر البسملة قرآنا ، وما دام يجد لها مقاصد متجدّدة ، فكأنّه لا يؤمن بفكرة التكرار في القرآن ، وفي ذلك يقول : « فلمّا أعاد اللّه - سبحانه وتعالى - هذه الآية - أعني بسم اللّه الرحمان الرحيم - في كلّ سورة ، وثبت أنّها منها أردنا أن نذكر في كلّ سورة من إشارات هذه الآية كلمات غير مكرّرة وإشارات غير معادة » « 1 » . ثالثا : إنّ لدى القشيريّ قدرة غير عاديّة ونَفَسا طويلًا عند استبطان الظاهر ، لأنّنا نجده
--> ( 1 ) - . لطائف الإشارات ، ج 1 ، ص 56 .